الخطيب الشربيني

546

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

والمعنى : أنت في أي شيء من ذكراها ، أي : ما أنت من ذكراها لهم وتبيين وقتها في شيء . وعن عائشة رضي الله عنها « لم يزل رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يذكر الساعة ويسأل عنها حتى نزلت » « 1 » فهو على هذا تعجب من كثرة ذكره لها ، كأنه قيل : في أيّ شغل واهتمام أنت من ذكراها والسؤال عنها ، والمعنى : أنهم يسألونك عنها فلحرصك على جوابهم لا تزال تذكرها وتسأل عنها . إِلى رَبِّكَ أي : المحسن إليك بأنواع النعم مُنْتَهاها أي : منتهى علمها لم يؤت علمها أحدا من خلقه كقوله تعالى : إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي [ الأعراف : 187 ] وقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ [ لقمان : 34 ] قال القرطبي : ويجوز أن يكون إنكارا على المشركين في مسألتهم ، أي : فيم أنت من ذلك حتى يسألونك ، بيانه : ولست ممن يعلمه . روي معناه عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وقيل : الوقف على قوله تعالى : فِيمَ وهو خبر مبتدأ مضمر أي : فيم هذا السؤال ، ثم يبتدأ بقوله تعالى : أَنْتَ مِنْ ذِكْراها أي : أرسلناك وأنت خاتم الأنبياء وآخر الرسل المبعوث في فم الساعة ذكر من ذكراها وعلامة من علاماتها فكفاهم بذلك دليلا على دنوّها ومشارفتها ووجوب الاستعداد لها ، ولا معنى لسؤالهم عنها . إِنَّما أَنْتَ أي : يا أشرف الرسل مُنْذِرُ أي : إنما بعثت لإنذار مَنْ يَخْشاها أي : لتخويف من يخاف هولها ، وهو لا يناسب تعيين الوقت وتخصيص من يخشى ؛ لأنه المنتفع به ، أي : إنما ينفع إنذارك من يخافها وإن كنت منذرا لكلّ مكلف . كَأَنَّهُمْ قال البغوي : يعني : كفار قريش يَوْمَ يَرَوْنَها أي : يعلمون قيام الساعة علما هو كالرؤية ويرون ما يحدث فيها بعد سماع الصيحة وقيامهم من القبور مع علمهم بما مرّ من زمانهم وما أتى فيه لَمْ يَلْبَثُوا أي : في الدنيا أو في القبور إِلَّا عَشِيَّةً أي : من الزوال إلى غروب الشمس أَوْ ضُحاها أو ضحى عشية من العشايا وهو البكرة إلى الزوال ، والعشية بعد ذلك أضيف إليها الضحى ؛ لأنها من النهار ، والإضافة تحصل بأدنى ملابسة ، وهي هنا كونهما من نهار واحد ، فالمراد ساعة من نهار من أوّله أو آخره لم يستكملوا نهارا تامّا ، ولم يجمعوا بين طرفيه ، وهذا كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع » « 2 » . فإن قيل : هلا قال : إلا عشية أو ضحى ، وما فائدة الإضافة ؟ أجيب : بأنّ ذلك للدلالة على أنّ مدة لبثهم كأنها لم تبلغ يوما كاملا ، ولكن ساعة منه عشيته أو ضحاه ، فلما ترك اليوم أضافه على عشيته فهو كقوله تعالى : لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ [ الأحقاف : 35 ] وحسن الإضافة وقوع الكلمة فاصلة . تنبيه : قرأ حَدِيثُ مُوسى ، * طُوىً ، * طَغى ، تَزَكَّى ، * فَتَخْشى ، وَعَصى ، * يَسْعى ، * فَنادى ، * الْأَعْلى ، * وَالْأُولى ، * يَخْشى ، * ما سَعى ، طَغى ، الدُّنْيا ، الْمَأْوى ، * عَنِ الْهَوى ، الْمَأْوى ، * حمزة والكسائي بالإمالة محضة ، وورش

--> ( 1 ) الحديث لم أجده بهذا اللفظ في كتب الحديث التي بين يدي . ( 2 ) أخرجه مسلم في الجنة حديث 2858 ، والترمذي حديث 2321 ، 2323 ، وابن ماجة في الزهد حديث 4108 ، وأحمد في المسند 4 / 229 .